اسد حيدر
22
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وقد ساعد على ذلك آراء بعض أئمة المذاهب وأتباعهم ، إذ كان بعضهم يرى لزوم تعزير أهل الكلام وضربهم وإهانتهم ، وأن يطاف بهم في العشائر . واشتهر عن الشافعي أنه قال : إياكم والكلام . وقال : لأن يبتلي اللّه المرء بكل ما نهي عنه ما عدا الشرك به خير من أن ينظر في علم الكلام . ووجد زعماء الفتن وعناصر الشغب فيما أوثر عن الإمام الشافعي وغيره سلاحا مجردا يستخدمونه لتحقيق أغراضهم ، وتغيير الواقع إلى جمود وتخلف . رغم أن هذه الآراء في حقيقتها وظروفها تعبّر عن حرية الرأي وقدرة الاجتهاد ، ومع هذا نجد أن الإمام الشافعي ينص على دوافع مثل هذا التوجه ، ويلتفت إلى تلك الأجواء ، إذ قال للربيع : إياك وعلم الكلام . وعليك بالاشتغال بالفقه والحديث . ولئن يقال لك أخطأت خير من أن يقال لك كفرت « 1 » . وقد نضج علم الكلام في عصر الشافعي ، واتسع نشاط المتكلمين ، وأثيرت هناك مسائل كثيرة دار حولها النقاش والجدل . ولا بد لكل عالم أن يلتمس الدلائل والبراهين من طريق المعقول لتقوية جانبه ، والردّ على مخالفيه ، ولكن من باب درء الخطر من الانهزام أمام المفكرين ، أغلق الباب بحرمة تعلم علم الكلام ، بل حرمة الاستماع إليه ، وحكموا بكفر من يتعلمه . وكان للفلسفة في أول زمن الدولة العباسية سوقا رائجا ، فقد كانت بغداد في أواسط القرن الثاني إلى أواخر القرن الخامس ميدان الأفكار الجديدة ، كما كانت البصرة كذلك منذ القرن الأول ، يقصدها العلماء من البلدان القاصية ، ويتذاكرون صنوف العلم ، ويتقارضون بأنواع الحكمة . وكانت بغداد مدة ثلاثة قرون مبعث الحركات الفكرية ، والعلماء فيها يوحدون صفوفهم . وكانت الحكومة لا تعارض مجالس النظر والحجاج ما لم يضر بمصالحها ، أما إذا كان البحث في الإمامة وما يتعلق بها من إعطاء الفكر مجالا في أمور يتطلب البحث فيها إيضاحا لما أبهم منها ؛ فإن ذلك محظور لا تسمح الدولة في خوضه . واشتدت الحكومات في القرن السادس بمطاردة علوم الحكمة . وحرّم ابن الصلاح المنطق والفلسفة ، ولم يتمكن أحد في دمشق من قراءة كتبها ، وكان المنادي
--> ( 1 ) الجواهر واليواقيت ج 1 ص 17 .